اسماعيل بن محمد القونوي
187
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كلامهم متعلق بقوله والقائلون هم اليهود وجه الدلالة هو أن الخطاب في تجعلونه الخ لهم إذ لا ريب في أن الجاعلين التورية قراطيس هم اليهود قوله ( قالوا ذلك مبالغة ) إشارة إلى جواب إشكال بأنهم كيف يقولون ذلك مع أنهم يعترفون بأن التورية أنزلها اللّه تعالى على موسى فأجاب بذلك أي مرادهم المبالغة في انكار القرآن لا انكار الانزال بالمرة ( في انكار انزال القرآن بدليل نقض كلامهم والزامهم بقوله ) . قوله : ( وقراءة الجمهور بالتاء ) عطف على قوله نقض كلامهم عطف العلة على المعلول فإنها تدل على أن المخاطبين هم اليهود وكون هذا نقضا ظاهر وأما الالزام فبأنه لما أنزل اللّه تعالى التورية على موسى عليه السّلام من البشر كما اعترفتم به فلم لا يجوز انزاله القرآن على محمد كأنهم استبعدوا إنزال الكتب على البشر أو جعلوه ممتنعا الزموا بذلك . قوله : ( وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملا على قالوا وما قدروا ) فاختيار الغيبة تبعيدا لهم عن ساحة الخطاب وقراءة الخطاب لمزيد التوبيخ بالمواجهة وقراءة الخطاب هو الملائم لقوله قل فإن معناه قل لهم فيقتضي الخطاب فتكون قراءة الغيبة التفاتا كما صرح به بعضهم لكن الظاهر أن كونه التفاتا على مسلك السكاكي دون مذهب الجمهور وأيضا قراءة الغيبة لا تخرج الكلام عن الاستدلال لما عرفته من أن الجاعلين قراطيس هم اليهود ولا مدخل للخطاب في الاستدلال غاية الأمر أنه اظهر في الاستدلال لدلالتها بالمعنى والصيغة وفيه ما فيه . قوله : ( وتضمين ذلك ) عطف على قوله نقض كلامهم أو على قراءة الجمهور فهو عليك شيئا البتة ولست رسولا من قبل اللّه البتة فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية وأما اندفاع الشبهة على الاحتمال الثاني فبأن يقال إن المشركين وهم كفار قريش كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى عليه السّلام مثل انقلاب العصا ثعبانا وفلق البحر واظلال الجبل وغيرها والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات لا منا بك فكان مجموع هذه الكلمات جارية مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى عليه السّلام وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد إيراد نبوة موسى الزاما عليهم في قولهم ما أنزل اللّه على بشر من شيء فقوله فيما بعد وقيل هم المشركون عطف على قوله : والقائلون هم اليهود . قوله : حملا على قالوا فعلى هذا لا يكون التفاتا وإنما يكون التفاتا إذا دخل هو في حيز القول المأمور به بلفظ قل ومن قال إنه التفات جعله داخلا فيه إذ كان المناسب لخطاب قل عند دخوله في حيز القول أن يجيء هذا بطريق الخطاب لكن ترك مقتضى الظاهر والتفت من الخطاب إلى الغيبة ثم التفت ثانيا من الغيبة إلى الخطاب في علمتم وما أحسن الالتفاتين حيث أريد نسبة القبيح إليهم أعرض عنهم حتى لا يواجهوا وحيث نسب إليهم الحسن وهو علم ما لم يعلموا خاطبهم به . قوله : وتضمين ذلك أي وعلى القراءتين جعل قوله : تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ [ الأنعام : 91 ] الخ بعد تمام الكلام المورد للالزام مع أنه لا دخل له في الالزام لتوبيخهم على سوء صنيعهم فهذا من قبيل الادماج المذكور في علم البديع .